/ / د أشرف محمد دوابة: رفع دعم الطاقة في مصر نعمة أم نقمة؟

د أشرف محمد دوابة: رفع دعم الطاقة في مصر نعمة أم نقمة؟



 مع بدايات شهر  رمضان المبارك قامت حكومة العسكر باتخاذ قرار محوري يمس الاقتصاد في صميمه ، والمواطن المصري في حياته اليومية برفع الدعم عن الطاقة، وهو ما أدى إلى  رفع أسعار وقود السيارات والمركبات بما يصل إلى 78%، حيث تقرر رفع سعر لتر بنزين 80 إلى 1.60 جنيه للتر بزيادة نسبتها 78% عن السعر السابق وهو 0.90 جنيه، كما تم رفع سعر البنزين 92 إلى 2.60 جنيه للتر بزيادة 40%عن السعر  السابق وهو 1.85 جنيه، وأيضاً تقرر زيادة سعر لتر السولار من 1.10 جنيه إلى 1.80 جنيه للتر أي بزيادة 63%.
وقد توالت تصريحات المسئولين وفي مقدمتهم الرئيس الإنقلابي لتبرر ذلك القرار ، بحجة خفض العجز الكلي الهائل في الموازنة والمقدر أن يصل في نهاية العام المالي الجاري إلى نحو 243 مليار جنيه أي نحو 12 في المئة من الناتج المحلي ، وإنقاذ مصر من الدين العام وتبعاته والذي جاوزت قيمته تريلوني جنيه  أي نحو  94 في المائة من الناتج المحلي.
بل إن من أعجب العجائب تصريح الرئيس الإنقلابي ورئيس حكومته أن هذا القرار يصب في صالح المواطن المصري وتأكيد الرئيس الإنقلابي على أنه يريد أن يراعي الأجيال المقبلة بأن يترك لهم دولة متماسكة!!!
وتبارت وسائل الإعلام الممسوخة لتبرير هذا القرار لإقناع عامة الشعب بأهمية القرار وجرأته وأنه جاء كمشرط الجراح لعلاج مشكلات متراكمة منذ عشرات السنين، وأن الشعب يجب عليه أن يتحمل من أجل مصر، وأن الخير قادم والاقتصاد سيعرف طريقه للانتعاش!!!، وفي المقابل يرى البعض أنه كان الأولى بالرئيس الإنقلابي وحكومته  تجنب غليان الشارع بإصدار هذه القرارات في هذا التوقيت؟!!!.
والواقع أن قضية الدعم قضية اقتصادية معقدة ومتراكمة ومتراكبة ومثل هذه القضايا لا تحل بقرارات عنترية أو أحلام وردية، وهناك فرق كبير بين ترشيد الدعم ووصوله إلي مستحقيه من خلال الدعم النقدي أو البطاقات الذكية وغيرها وفق خطة مرحلية تدريجية مدروسة وهذا شئ محمود ومطلوب وبين رفع الدعم فجائيا عن المستحقين ومساواتهم بغير المستحقين من المنتفعين من سفاح السلطة والمال حيث إن دعم الطاقة (بترول وكهرباء) بلغ خلال عام 2013/2014 نحو 129 مليار جنيه يذهب جله (نحو 80 في المئة منه)  إلى أصحاب المصانع كثيفة استخدام الطاقة المرتبطين بمصالح مع السلطة.
وإذا كان العدل هو التساوي بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، فأين سلوك الرئيس الإنقلابي وحكومته من مفهوم العدل وهم يترفون ويريدون للشعب المتقشف أصلا أن يتقشف؟!! فها هم أولاء يزيدون معاشات متقاعدي العسكر بنسبة 10 في المئة، ويزيدون في مخصصات العسكر والشرطة على حساب التعليم والصحة، ويغضون الطرف عن مخصصات الرئاسة والمستشارين، وعن الدجاجة التي تبيض ذهبا والمسماة الصناديق الخاصة، كما أن تطبيق الحد الأدنى والأقصى صار عنوانا بلا مضمون، فما قيمة الحد الأدنى وقد ارتفعت الأسعار بعد هذا القرار المشؤوم؟!!، وما قيمة الحد الأقصي وقد تنافست المحسوبيات لإخراج مرتفع الفساد من تلك المنظومة من قضاء وبنوك وبترول!!.
إن آثار هذا القرار لن يتوقف فقط عند ارتفاع الأسعار واعتبار التضخم سيد الموقف والذي لن تقل نسبته عن 20 في المائة، باعتبار الطاقة سلعة مرتبطة بمنظومة السلع والخدمات الأخرى، ولكنه في الوقت نفسه سيؤثر سلبا على الطلب على السلع والخدمات، والعيش في مظلة الانكماش، وهو ما يؤدي إلى زيادة نسبة البطالة لنحو 18 في المائة، وينعكس على إنخفاض إيرادات المؤسسات، ومن ثم إنخفاض الإيرادات الضريبية، وبذلك ضربت تلك الحكومة نفسها في مقتل فما سوف توفره -كما صرحت- من 51 مليار جنيه نتيجة لرفع الدعم سيصبح هباء منثورا نتيجة  فقدان جزء ليس هينا من الإيرادات الضريبية ،  فضلا عن إصابة كافة جنبات الاقتصاد المصري بصورة سلبية في الصميم.
كما أن من آثار هذا القرار أنه يتوقع أن يزيد من نسبة الفقر في مصر لتصل لنحو 70 في المائة، ومن ثم فإن الحد الأدنى للأجور المقرر بمبلغ 1200 جنيه لم يعد صالحا للخروج من نفق الفقر  والعيش الكريم الذي يبتغيه كل إنسان شريف.
إن تلك القرارات وتبريرها تكشف مزيدا من الكذب البواح الذي اعتاد عليه قادة الإنقلاب، فكيف للرئيس الإنقلابي أن يخرج من نفق الديون حسب تبريره لتلك القرارات وهو يصرح في الوقت نفسه بأنه يرغب في اقتراض 250 مليار جنيه؟!! وكيف  يريد أن يراعي الأجيال المقبلة بأن يترك لهم دولة متماسكة وهو بذلك يزيد الديون وعبئها علي الأجيال الحالية والمستقبلية ويسير بسياسة ترقيع الديون -التي اقترب حجم أعباء فوائدها من حاجز 200 مليار جنيه- وتفتيت مصر إلى أحزاب وشيع ودويلات!!!.
إن السياسة المالية الإنقلابية قائمة على نهم تفريغ جيوب المواطنين و"جوع كلبك يتبعك" وعيشة الترف لأهل الحكم والنفعيين، والتسول وترقيع الديون بلا رقيب، ولا قيمة لغليان الشارع في عرفهم لأن هذا الشارع هم من أجروه في 30 يونيه 2013 ،  فلا مكان عنده لمعترض أو غليان وغرور منطق القوة لا قوة المنطق هو الطريقة الوحيدة للتعامل مع المعترضين، والتهم والأحكام القضائية سابقة التجهيز.
وما هذه القرارات  إلا مقدمة للحصول علي قرض صندوق النقد الدولي المقدر بنحو 4.8 مليار دولار والخضوع لاشتراطاته وتمهيدا لا نعقاد مؤتمر التسول المسمي مؤتمر المانحين ومن ثم رهن مصر وشعبها وأصولها ومستقبلها للغير بثمن زهيد.
إن سياسة التسول لا تبني أمة ولا تقيم اقتصادا ولا تحقق استقرارا ولا ترفع هامة أو كرامة، واقتصاد التبعية الذي يعتمد على غيره ولا ينتج بنفسه لنفسه ولا يوازن بين الإنتاج والاستهلاك هو اقتصاد لا حاضر له ولا مستقبل مزدهر ينتظر منه، وللأسف فقد تسول الانقلابيون في ظرف عام واحد من دول الخليج 16.7 مليار دولار في صورة منح وودائع ومواد بترولية ولم يرى لها المواطن أثرا ملموسا سوى في مراتع الفساد وجيوب الكبار حتى أن سعر صرف الدولار بات أكثر ارتفاعا ويتوقع له مزيد من الارتفاع في ظل انهيار منظومة الإنتاج وتلك القرارات.
كما أنه لا يمكن لاقتصاد قوامه التسول ودعم المفسدين والاستيلاء على أموال الناس بغير حق واستئصال فصيل وطني من الشعب المصري أن يجلب استثمارا أجنبيا أو ينمي استثمارا محليا أو يجذب سائحين أو يحدث تغييرا هيكليا في إنتاج.
ولذلك بات البديل المفروض اليوم هو اقتصاد العسكر الذي يستحوذ على نصف حجم الاقتصاد المصري وتحول إلى دولة داخل الدولة حتى باتت مشروعات ومنافذ بيع العسكر بديلا عن القطاع الخاص، وهو ما يضرب الاستثمار الخاص في مقتل ويقضي على أي استشراقات للتنمية وقد قالها ابن خلدون من قبل : (التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية) .. والعسكر هم سلطان مصر اليوم يتحكمون في سياستها واقتصادها، ولا مقارنة للمنافسة بينهم وبين القطاع الخاص فموادهم الاستيرادية معفاة من الجمارك والعمالة عندهم مجانا من خلال سخرة الجنود، ولا يدفعون ضرائب على أرباحهم أو مبيعاتهم، فمن يمكن أن ينافسهم؟!!، وكم أهدروا من مليارات تستحق لخزينة الدولة عن أنشطتهم التجارية التي انحرفوا من خلالها عن هدفهم الرئيس بالدفاع عن الوطن وحدوده وثغوره؟!!.
وأخيرا فإن هذه القرارات ما هي إلا  من تدبير الله ليذوق الشعب وبال أمره وتبطره على ما كان فيه من نعمة وحرية في ظل رئيس شرعي منتخب يسعي بكل قوة لتلبية احتياجات مصر من الغذاء والدواء والسلاح حتى وصل نمو الناتج المحلي لنحو نسبة 3.5 في المئة  رغم التحديات والمعوقات والثورة المضادة وهو نفس المنطق الذي حدث مع المصريين من قبل في عهد فرعون حيث قال الله سبحانه في حقهم :
( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم)  الشعراء/57-58 ، كما أن هذه القرارات في نفس الوقت من عوامل التدمير للانقلابيين فالغباء جند من جنود الله يسخره بإراته سبحانه ، والله لا يصلح عمل المفسدين ، ولن تغنيهم أموال الخليج أو غيره فلن تبقي سيلا منهمرا لمدي الحياة فقوامها المصالح وسوف تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.
*مستشار وخبير دولي في التمويل والاقتصاد الإسلامي
 المصدر: الجزيرة مباشر مصر
شاركها
هل أعجبك الموضوع ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق